في السَابِع منْ إبريلْ وتحْديداً عندَ إقترابِ عقرَبِ السَاعةِ مِن العاشرةِ صَبَاحاً ؛ وتنْسَدِلُ حينهَا خُيوطُ الشمسِ عَلى وجنتيّ لِتلاطِفنيّ بهدوءِ الجَوّ وسطَ صخبِ المدرسةِ بِطُلابِها! ؛ يرُن الجرسُ بإناقةٍ ليُعلِن عنْ دُخولِ حِصةِ التَاريْخ - والتَي كُنتُ أنتظِرُها بِفارِغ الصْبر- إلا أنّ حِصةَ التاريخِ هذهِ لمْ تَكُن كسَابِقَاتهَا إطلاقاً ؛ كتبتْ المُعلمة عِنوانْ الدرسْ " الغزُو الإيطالي لليبيَا" بِعريضِ الخطْ .
صُعقتُ بِالعنوانِ وهُوَ يملَئُ السبورةَ كُلهَا وحينهَا -فقطْ- تنبّهتُ لأهميةِ الدرسْ!.
تنَقلتْ المُعلمةُ - وقدْ كانتْ دَاهيةً في عٌلومِ التَاريخ قويةَ الحضورِ مُستملِكةَ القُلوبْ -بينْ الصفوفِ لِتُحدّثنّا عمَّا جَرى في تِلكْ الصَفْحة مِن عُمرِ بلاديّ ؛ وهَآنذا أُسافِرُ إلى تِلكْ الأزمانْ بكَامِلِ ما اوتيتُ مِن قُوة و أستخلِصُ جاهِدةً العِبرةَ مِن تِلكْ الأحداثِ الصَاخِبة ؛ ولكِن الوِجهةَ اليومْ إلى زمنٍ لطَالمَا تَمنيتُ أنّ أعيشهُ وأكونَ ضِمادةَ سعادةٍ تعلُو جبِينهُ ؛ الوجهةُ اليومْ إلى حُقبةِ استِعمارِ ليبيَا و تحديداً ذاكَ اليومُ المَشؤمُ الذي لمْ تتمكنْ بِلاديّ مِن إجْتيازِ لَعنتِهِ إلا بِشقِ الأنفُس!.
دقتْ الحربُ طُبُولهَا وعَزفتْ بفزعٍ ألحَانها ومَا لَبِثتْ إلا واشعَلت قلْبِي قلقاً عِن الوطِنِ ومَن فيهِ!
أنا الواقِفةُ بينَ خطِ الماضِي والحَاضر المُرتجِفةُ مِن سماعِ خبرِ الفقدِ حينِ يدُقُ على المسَامِع ؛ ولا أدري آغوص في المَاضي أكثر أم أُحلق بعيداً عنهُ كي ينتَشِلَ الحَاضرُ تِلك الجُروحَ عنيّ ؟!
كفتاةٍ لمْ تبلُغ خمسةَ عشراً ربيعاً مِن عُمرهَا ضللتُ الطَريق وظلَ هذَا السؤالُ شِيفرةً يَصعُبُ فكُّها ؛ وبِدون تصويبٍ منيّ أكملتُ رِحلةَ اللاعَودة إلى الحاضِر .
حطّت إيطَاليا باخِراتِهَا - على شَواطئ بنغَازي و طَرابلْس و مُصراتة -حاملةً في جوفِها قيودَ العبوديةِ والإستبداد وكميةً لابأس مِنها مِن أغلالِ الأطماعِ تخنُقُ بِها بنيّ وطنيّ! وحُصِرَ قلبيّ معهمُ حتى باتَ يختنقْ.
وهبّت رائحةُ المعارِك و دقّ جرسُ الجِهادْ و امطرتْ سماءُ ليبيَا شُهداءاً سَبقونَا لحياةٍ في العِزّ أطولٍ وبصمةٍ في التاريخِ ليستْ كسِواها ؛ سقط ألآلافُ بينَ قتلَى ومُصابينْ وسقطتْ مع كُل واحدٍ منهُم دمعةٌ حتى جفّ ماءُ عَينيّا حُزناً ؛ فقدْ كُنتُ معَهُم أتصوّرُهم وهُم يُودِّعون أهْليهمُ ولا تغيبُ عن باليّ زغاريدُ الأُمهاتِ فخراً لِنيلِ أبنائهِم الشهادة! .
ها هي اللحظَاتُ تَمضي سريعاً حتى أعلنتْ المُعلمة أنا ليبيا - تقصدُ في هذَا الجُزءْ من الدرس- مُستعمرةٌ لإيطاليا كُل الحقّ فيها!
هُنا كانتْ الضَربة القَاضية ليّ ، نزفتُ ألماً تخطَى مداهُ السَماء ولاحتْ الحُرية بعيدةً ؛ حاولتُ أن أمُسكها وأنّ أروضها لِتبقى معنا ولو لدقائق عدّة ولكنها لاذتْ فِراراً!
أيُعقلْ أن تطيرَ الحُرية من بين أيدينَا ؟!
ومن يُصدقْ أنها غادرتنَا دون وداعْ ؟!
إذن مَا ثمنُ عوْدتِها إلى أحضانِ بلاديّ ؟!
غطَى الألمُ بصيرتي ولمْ أعُد أرى شيئاً سِوى حالة إستنفارٍ في بلديّ أتبَعها غُصةً في القلبْ لمْ يقدِر عَلى إنتِشالِها البتة! ؛ وكتابُ التاريخ بغلافهِ البنفسجي الهادئ أمام ناظريّ شُلّت يدايّ عنْ قلبِ الصفحةِ و ودّتُ لو أنّ ليّ قوةً فأحرُق هذَا الفصلَ مِن الكِتاب !.
هُنالِك أملٌ يلوحُ مِن بعيد وبشارةُ تسبحُ فِي بِحارِ الخُذلانِ بقوةٍ لِتطرُق البابَ على قلبِي الجَريحِ وتُخبرهُ أنّ حركةَ الجِهاد في ليبيا قد استئنفتْ عملهَا يرْئسُها شيخُ الشهَداء و أسدُ الصحراءِ عُمرُ المُختار!
يحقُ ليّ الأنْ أنّ أرتوي طمأنينةٍ وأنّ أتنفسَ الصُغداء ؛ لأن بِحركةِ الجِهاد هذهِ ستحومُ علينَا الحُريةُ من لحظةٍ لأُخرى وإنّ لمْ نُمسكها لتعيشَ بيننَا كمَا كانتْ فِي السابِق فلنْ نَتردد في استقبَالِها بيننَا كضيفةٍ عزّ مجيئُهَا فرَخُصتْ أثمنُ القرابين أمام وجهِها الغالي! .
مسحتُ عن القلبِ دموعهُ و ارتَوت العينُ بعدَ جفافِها أملاً ؛ وعادَ بصيصُ النُور لِيتلاعبَ بيّ على وترِ الحُرية لأرقُصَ عشقاً لكِ يا بِلاديّ! .
يدقُ الجرسُ - محاولةً منهُ لِقطع حبلِ أفكاريّ -ليُعلن إنتهاء زيارتي لماضٍ حُقّ عليّ التأمُل فيهِ وليُخبرني أنهُ حانْ الوقتُ للعودةِ الى الحاضِر و استكمالِ اليومِ الدراسيّ ولا سيمَا الانتقالَ إلى الحصةِ التالية!.
ظلّ هذَا اليومُ عصيّاً علَى الذاكرةِ نِسيَانهُ !
ظلّ يَحومُ بينَ القلبِ ونبضاتهِ وبين العقلِ وفِكراتهِ وأخيراً بين الكلامِ وحُروفهِ ؛
ذاكَ اليومُ هو يومَ مدّت ليبيا يدّاها ليّ و ضمتنيّ إليهَا وخصّتنيّ بشرفِ الاستماعِ إلى ماضيّها لاعاصرهُ و لأكون ابنتها البارّة !
اتجافَى مِن مضجعيّ ليلاً عشقاً
لكِ،جميلتيّ هلاَ فتَحتي ليّ بابكْ؟!
اشتاقتِ البسمةُ لِتُرسمَ على ثغرُكِ
واشتقتُ لأرى الامَان وقدْ زراكْ!.
- رتاج نور الدين.

إرسال تعليق